شمس الدين السخاوي

35

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع

والقصائد الطوال التي كان يكرر عليها حتى مات ويسردها سردا مع استحضار كثير من العلوم خارجا عن هذه الكتب بحيث كان لا يدانيه أحد من أهل عصره في كثرة ذلك وأن كان يوجد فيهم من هو أصح ذهنا منه وكان المحب بن نصر الله البغدادي يعتمده وينقل عنه في حواشيه من أبحاثه وغيرها وأما العز الكناني فكان يعظم فهمه أيضا وينكر على من لم يرفعه فيه لكنه يقول مع ذلك عن شيخه المجد سالم أنه أقعد في الفقه منه ، كل هذا مع النظم والنثر والكتابة الحسنة والتأني في المباحثة ومزيد الاحتمال بحيث لا يغضب إلا نادرا ويكظم غيظه ولا يشفي صدره وإكرام الطلبة وإرفادهم بماله وعدم المكابرة لكن وصفه شيخنا بالزهو الشديد والبأو الزائد والإعجاب البالغ بحيث أنه سمعه يقول للجلال البلقيني مرة وقد قال له : أنت إمام العربية فقال له : لا تخصص وسمعه يقول للشمس بن الديري وقد قال عنه : هذا عالم بمذهب الحنفية فقال : قل شيخ المذاهب انتهى . ووصفه بعضهم فيما قيل بأنه يحيط علما بالمذاهب الأربعة فرد عليه وقال : قل بجميع المذاهب ، واتفق أنه بحث مع النظام السيرامي وناهيك به بحضرة المؤيد فقال العلاء يا شيخ نظام الدين اسمع مذهبك مني وسرد المسئلة من حفظه فمشى معه فيها ولا زال ينقله حتى دخل به إلى علم المعقول فتورط العلاء فاستظهر النظام هذا وصاح في الملأ طاح المحفوظ هذا مقام التحقيق فلم يرد عليه ومع ذلك فاتفق له مع الشمس البرماوي أنه قال له : هل في مذهب أحمد رواية غير هذا فقال : لا فقال له الشمس : بل عنه كيت وكيت فعد ذلك من الغرائب ، وأول ما ولي قضاء بلده بعد التسعين وهو ابن نيف وعشرين سنة ثم قضاء حلب في سنة أربع وثمانمائة واستمر بها أثناء التي تليها ثم تركها ورجع إلى حلب على قضائه وعرف بالعلم والدين والتعفف والعدل في قضائه مع التصدي للأشغال والإفتاء والإفادة والتحديث حتى أنه قد كتب عنه قديما الجمال بن موسى وسمع معه من شيوخنا الأبي ، واستجازه لجمع ممن أخذت عنهم فولاه المؤيد قضاء الحنابلة بالديار المصرية مضافا لقضاء بلده بعناية ناصر الدين بن البارزي حيث نوه بذكره وأشار عليه بولايته وذلك في ثاني عشر صفر سنة ثماني عشرة بعد صرف المجد سالم فتوجه إلى القاهرة وكان يستنيب في قضاء بلده ، وسافر بعد ذلك في سنة عشرين صحبة المؤيد إلى الروم وعاد معه ولم يزل على قضائه وجلالته إلى أن ابتدأ في التوعك إذ سقط من سلم وذلك بعد أن كان عزم على الحج في هيئة جميلة وتأنق زائد فانقطع وفاسخ الجمال واستمر متمرضا ثم عرض له قولنج فتمادى به إلى أن أعقبه الصرع